ابن عطية الأندلسي
165
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
و جِئْتَ بِالْحَقِّ معناه - عند من جعلهم عصاة - بينت لنا غاية البيان ، و جِئْتَ بِالْحَقِّ الذي طلبناه ، لا إنه كان يجيء قبل ذلك بغير حق ، ومعناه عند ابن زيد - الذي حمل محاورتهم على الكفر - : الآن صدقت . وأذعنوا في هذه الحال حين بين لهم أنها سائمة ، وقيل إنهم عيّنوها مع هذه الأوصاف ، وقالوا : هذه بقرة فلان ، وهذه الآية تعطي أن الذبح أصل في البقر ، وإن نحر أجزأت . وقوله تعالى : وَما كادُوا يَفْعَلُونَ عبارة عن تثبطهم في ذبحها ، وقلة مبادرتهم إلى أمر اللّه تعالى ، وقال محمد بن كعب القرظي : كان ذلك منهم لغلاء البقرة وكثرة ثمنها ، وقال غيره : كان ذلك خوف الفضيحة في أمر القاتل ، وقيل : كان ذلك للمعهود من قلة انقيادهم وتعنتهم على الأنبياء ، وقد تقدم قصص القتيل الذي يراد بقوله تعالى : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً ، والمعنى قلنا لهم اذكروا إذ قتلتم . و « ادارأتم » أصله : تدارأتم ، ثم أدغمت التاء في الدال فتعذر الابتداء بمدغم ، فجلبت ألف الوصل ، ومعناه تدافعتم أي دفع بعضكم قتل القتيل إلى بعض ، قال الشاعر : [ الرجز ] صادف درء السّيل درءا يدفعه وقال الآخر [ الخفيف ] : مدرأ يدرأ الخصوم بقول * مثل حدّ الصّمصامة الهندواني والضمير في قوله : فِيها عائد على النفس وقيل على القتلة ، وقرأ أبو حيوة وأبو السوار الغنوي « وإذ قتلتم نسمة فادّارأتم » ، وقرأت فرقة « فتدارأتم » على الأصل ، وموضع ما نصب بمخرج ، والمكتوم هو أمر المقتول . وقوله : اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها آية من اللّه تعالى على يدي موسى عليه السلام أن أمرهم أن يضربوا ببعض البقرة القتيل فيحيى ويخبر بقاتله ، فقيل : ضربوه ، وقيل : ضربوا قبره ، لأن ابن عباس ذكر أن أمر القتيل وقع قبل جواز البحر ، وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنة ، وقال القرظي : لقد أمروا بطلبها وما هي في صلب ولا رحم بعد ، وقال السدي : ضرب باللحمة التي بين الكتفين ، وقال مجاهد وقتادة وعبيدة السلماني : ضرب بالفخذ ، وقيل : ضرب باللسان ، وقيل : بالذنب ، وقال أبو العالية : بعظم من عظامها . وقوله تعالى : كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى الآية ، الإشارة ب كَذلِكَ إلى الإحياء الذي تضمنه قصص الآية ، إذ في الكلام حذف ، تقديره : فضربوه فحيي ، وفي هذه الآية حض على العبرة ، ودلالة على البعث في الآخرة . وظاهرها أنها خطاب لبني إسرائيل ، حينئذ حكي لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ليعتبر به إلى يوم القيامة ، وذهب الطبري إلى أنها خطاب لمعاصري محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأنها مقطوعة من قوله تعالى : اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها ، وروي أن هذا القتيل لما حيي وأخبر بقاتله عاد ميتا كما كان ، واستدل مالك رحمه اللّه بهذه النازلة على تجويز قول القتيل وأن تقع معه القسامة . قوله عزّ وجل : ثمّ قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة وإنّ من الحجارة لما يتفجّر منه